ماذا حدث لـ”منكوبي الجوفة”؟

في رمضان الفائت، نصب أهالي البنايات التي انهارت في جبل الجوفة بتاريخ 19 و20 كانون الثاني من العام الجاري خيمةً اعتصام في الأرض التي كانت مقامة عليها بناياتهم المهدومة للتذكير بمشكلتهم، لكن هذا الاحتجاج السلمي لم يسترعِ اهتمام أحد من المعنيين.
يقول ناصر الحاج، وهو من سكان البنايات المنهارة، “قررنا نعمل خيمة ونفطر فيها ونعتصم.. ما في غير أنا وابن خالتي، اثنين، ودفعنا 150 ليرة، قعدنا أسبوعين ولا حد عبّرنا، ولا رضيوا وسائل الإعلام يجوا ولا حتى جيراني”. ويوضح بأنهم اتصلوا بوسيلة إعلامية معروفة لتغطية الاعتصام، سمعوا منها أن “انهيارات الجوفة انتهت وتسكّر الملف”!
لكن هل “تسكّر الملف” حقاً رغم ان المتضررين لا يعلمون بعد مصير الارض، التي باتت خالية وساحة خطرة يلعب فيها الأطفال رغم التحذيرات؟ بعد العثور على مغارات أثرية فيها أثناء إزالة الأنقاض، تمت دراسة الموقع من قبل مديرية دائرة الآثار العامة، لكن مديرها منذر الجمحاوي قال في تصريحات صحفية سابقة إن الدائرة لا تنوي استملاكها. بيد أن اي قرار لم يُترجم إلى كتاب رسمي حسب الأصول بعد بحسب مصادر في أمانة عمّان الكبرى.
ليس هذا وحسب، ففي المنطقة عدة بيوت أخرى مهدّدة بنفس المصير في أي لحظة، وقد جرى اخلاء بعضها احترازياً لفترة قصيرة قبل ان يعود ساكنوها إليها من جديد، فيما لا تزال اللافتات تحذّر الزائر من الدخول إلى حي مخيم الجوفة، حيث وقعت حادثة الانهيار، بحيث يقرأ القادم إليه “منطقة مغلقة، باستثناء سكان المنطقة، منطقة انهيارات”.
ماذا حدث منذ كانون الثاني؟
عند وقوع الحادثة، تم إخلاء قرابة 381 فرداً من المنطقة، وأقاموا في شقق فندقية على نفقة وزارة التنمية الاجتماعية، وتم تأمينهم بطرود وملابس وأغذية وحليب للأطفال. بعد “مرحلة الشقق الفندقية”، تم إيواء العائلات المتضررة، وعددها 55 أسرةً، في شقق مستأجرة تكفّل بإيجارها البالغ 170 ديناراً للشقة الواحدة المجلس النرويجي للاجئين بالتعاون مع الوزارة.
بحسب ما قاله الناطق الإعلامي لوزارة التنمية الاجتماعية فواز الرطروط لكاتبة هذا المقال، فقد تم الاتفاق على استئجار مسكن لمدة ستة شهور، وتأمين أثاث وتكاليف النقل، فـ”أُنفق على تدخلات الوزارة قرابة 150 ألف دينار على هذه الأسر”، التي اعتبرها من “الأسر غير الفقيرة” كونها غير منتفعة من صندوق المعونة الوطنية. وأضاف أن “وزارة التنمية الاجتماعية قد قامت بدورها الكامل”!
بعد أيامٍ قليلةٍ من كتابة هذا المقال، ينتهي عقد الإيجار الموّقع بين مالكي البيوت المستأجرة والمجلس النرويجي للاجئين، ويكون المتضررون، وخصوصاً الذين انهارت بيوتهم بالكامل، أمام خيارات محدودة. يقول ناصر الحاج “رحت على وزارة السياحة والآثار قالوا غير مجدية (المغارة)، وانتهى دور الآثار فيها، الأمانة بيقولك احنا بدنا خطاب من رئاسة الوزراء. أجوا الجمعية العلمية الملكية بدهم يعملوا فحص للتربة وعليها ما أجوش، مش مبيّن الحل”!
يعلّق المهندس منير قاقيش لكاتبة المقال، وهو مستشار في الجمعية العلمية الملكية وعضو في لجنة السلامة العامة في عمّان، أن الجمعية طلبت من “وزارة الأشغال العامة يهيؤولنا الموقع، لأنه في بالموقع كمان عمارة لازم يشيلوها، وفي جزء من العمارة لازم ينشال حتى نعمل دراسة”.
ويضيف أنهم طلبوا أيضاً إنشاء منفذ “بين الشارع والمناطق المنهارة حتى تنزل الآليات.. هذا شغل الأمانة مش شغلنا.. المفروض انعمل هذا الحكي”.
أما المدير التنفيذي لدائرة رقابة الإعمار في أمانة عمّان الكبرى المهندس رائد حدادين، فيقول لنا بالنيابة عن الأمانة “احنا أنهينا دورنا.. إعادة البناء ما بحكي فيها، أنا كُلفت بمهمة محددة هي إزالة الأنقاض، وأزلتها”. ويشرح أن “الآثار إجوا وشافوا الآثار.. ولغاية الآن ما أجاناش شو الموضوع، بيجوز مش النا بيردوا، بيردوا للجهة اللي بتكلفهم، رئاسة الوزراء أو وزير الداخلية”.
هكذا تعتقد كل من الجهات المعنيّة أنها أدت الدور المنوط بها، وتنتظر الجهات الأخرى للقيام بدورها. وهذا ما يجعل، على الأرجح، الناس في الجوفة يعتقدون أنهم “منيّمين الموضوع، ليوصل للجبل المهدود من الثمانين”، بحسب يوسف الحاج، وهو من أشقاء سكان البنايات غير المقيمين فيها، وذلك في إشارة إلى حادثة انهيار أخرى شهدتها المنطقة قبل أكثر من عقدين في المنطقة ذاتها وبقي مكانها على حاله!
السؤال الذي ينتظر الإجابة: ما سبب الانهيار بالأساس؟
لا يتردّد سكّان البنايات التي انهارت بالفعل في تحميل منظومة الصرف الصحي المسؤولية عن الانهيار، فلا تزال المسنّة رضا جبر، وهي من سكانها، تقول بكل ثقة “وصلي للديوان، للملك، انهارن دورهم من مجاري الأمانة”.
ويضيف ابنها ناصر الحاج أن بحوزته كل الأوراق التي تثبت أن البناء قانوني، فلديه “الترخيص، والمخطط الهندسي، وحتى نسخة عن استرداد 50 دينار بعد انتهاء البناء” وهي القيمة التي كانت تُرّد بعد التأكد من أن كل الأمور قانونية.
أما المهندس قاقيش، والذي كان مكلفاً بالذهاب إلى موقع عند حدوث الانهيار، فيقول أنه “لليوم مش محدد السبب والمسؤولية التامة”، ويشرح “كنا شايفين عمود مصبوب جديد بالانهيار.. وكان في بعض التنكات زادوهن جديد، وأجت ميّ عبّت العصر، وكان في أعمال بناء وتشييد..لما بلشنا ننظف، لقينا بواقي حفر تحت المنزل.. كمان نظام التصريف عندهم عبارة عن قنوات، ما الهاش خطوط صرف صحي مناسبة، الصرف الصحي أو المواد العادمة تمر بين قنوات مختلفة، وطبعا فيها مواد كيميائية مختلفة بتؤدي إلى تآكل الخرسان والكونكريت.. عوامل كثيرة تجمعت”!
ثم يتوّسع في الحديث عن المنطقة بأكملها، والتي يُفترض أن تتبع لمؤسسة الإسكان والتطوير الحضري، حيث ينص النظام على أن تكون الأبنية مكونة من طابقين فقط فوق الشارع، فـ”كيف صارت خمس طوابق وكلهم عندهم مي وكهرباء؟ في خلل بتنظيم المنطقة، خلل ما بعرف شو طبيعته!”
من جهته، يؤكد المدير التنفيذي لدائرة رقابة الإعمار في الأمانة المهندس رائد حدادين أن الأمانة “مش مخولين نطلع سبب الانهيار”. ويضيف بأن الرقابة على المخالفات، والتي قد تهدّد سلامة المواطنين، ليست من اختصاصهم، فيقول “أمانة عمّان مهمتي تنظيمية.. السلامة مهمة المواطن؟ ليش في مكاتب هندسية؟ ليش في نقابة مهندسين؟”.
ثم يستطرد قائلاً “الأصل أمانة عمان تراقب، بس بتقوله وقّف، بيبنوا في الليل، الأصل أنهم مخالفين، شو الإجراء اللي ممكن نوخذه؟”
إلى حين الإجابة على كل هذه الأسئلة، لا يزال الأهالي يجهلون مصيرهم، ولا يزال الجيران يتوقعون خبر انهيار بناية أخرى في أية لحظة، وتسمعهم إن وصلتهم مكالمة هاتفية غير مطمئنة يقولون “شو في؟ وقعن دور؟”
ليسوا واهمين، فالمسؤولون خلف الأبواب المغلقة يدركون أن “الوضع خطير جداً في الجوفة”، والعوامل التي تضافرت فأدت إلى انهيار أول وثانٍ يمكن أن تتضافر مجدداً فنستيقظ على أخبار مفزعة مجدداً!

تحديث: قال مصدر مطلع من دائرة الآثار العامة أن اجتماع اللجنة العليا للاستملاك، والتي تجتمع للنظر في ملفات الاستملاك المختلفة، ومنها استملاك أرض الجوفة التي عُثر فيها على المغارة، لم يُعقد حتى الآن، وبالتالي لا يوجد قرار رسمي حتى اللحظة.

 

Advertisements

1 Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s