“أمهات بالوجدان”

أعرف امرأةً كتبت رسالة للممثلة نيلي كريم قبل سنوات، تطلب منها “سلفة” لتحذو حذوها وتشتري هي الأخرى “راجل” كما فعلت الممثلة في فيلمها “بشتري راجل”، ولكن نيلي لم ترسل المبلغ المطلوب.

لم تجد المسكينة، كاتبة الرسالة، من يُقرضها، ولكنها وجدت ألف من يوبخها تارة، ويحذرها تارة أخرى من مخاطر الإنجاب في عالمنا اليوم. كم قالوا “مسؤولية شو بدك فيها”، وكم استسهلوا التبرع بأولادهم وبناتهم على سبيل المزاح غير الظريف على الإطلاق، وكم بالغوا في وصف متاعب التربية، ولكنهم أبداً لم يفهموا شيئاً واحداً: هناك أمهات ولدن أبناءً منذ زمن، ولكن أبناءهن تاهوا منهن في زحمة الوجود، وظل هناك حبلاً لا يراه أحد يشدهم في كل اتجاه بحثاً عن أبناء موجودين بالفعل.

أسميهن “أمهات بالوجدان”، لا يمكنك أن تقول لهن “لا تُنجبن”، فقد أنجبن وقُضي الأمر، وكلما حذرتهن، فكأنك تقول للواحدة منهن “انسي ابنك الذي أنجبتيه، فلن يعود”، وهذا ما لا تفعله أي أم على وجه هذه البسيطة!

لهن أبناء بأسماء، وشخصيات وهوايات. لهن أبناء نسوا ملابسهم في الأدراج، منهن من تبرعت بالملابس لأن منظرهم صار يؤلمها، ومنهن من لا تزال تحتفظ بهم ليوم عودة الأبناء إلى البيت. منهن من تكتب رسائل لأبنائها، رسائل طويلة بعلامات ترقيم وفقرات مرتبة، على أمل أن تصلهم أينما كانوا، فيشتاقوا لأمهم ويعودوا إلى حضنها، ومنهن من تمزق الرسائل بعد كتابتها لأنهم تأخروا كثيراً. منهن من تدير بوجهها عن الطفل الظريف في السوبرماركت لأنه يذكرها بالغائب، ومنهن من تتوّدد إلى أي طفل يعبر من أمامها، لعله صادق ابنها ذات يوم ويعرف أين اختفى.

منهن من يُقال لها “جيبي بسّة”، فتتبنى واحدة بالفعل لمواساتها ولو قليلاً، ومنهن من تقول “يا عمي على راسي البسس واللي بيربوا البسس، بس أنا بدي ابني”. منهن من تيأس، وتكتفي بذكرهم في دعائها، ومنهن من لا تتخيّل حياتها بدونهم، فتظل هائمة في شوارع المعمورة بحثاً عنهم.

منهن من يُقال لها أن لديها كل هذه الفرص ليجمعها أحدهم بابنها الغائب، فتصدق أحياناً ولكنها لا تصل، ومنهن من يُقال لها أن هذه “الفرص” ما هي إلا “اتجار بالبشر”، فقد قرّر أحدهم أن يضيف إلى الممارسات المصنفة تحت بند “الاتجار بالبشر” ممارسة “الزواج من أجل إنجاب الأطفال”، فتتعجَّب وتصمت، وتفكّر في كيفية هدم شبكة الاتجار بالبشر التي بنتها في مخيلتها بهدوء دون أن يعاقبها القانون. ثم يستدرك المُحاضر “فقط في حال لم يعرف الزوج أو الزوجة بالهدف، وتم التغرير بأي منهما”. آه، ماشي!

اختارت كل منهن طريقها، ولكن كل واحدة منهن، تذوب من فرط الحب عند أول كلمة “ماما” ينطقها أي بشري يسير على الأرض!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإعلانات

2 Comments

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s