تأمين ما بعد الستين: ماذا يعني أن تكون الحالة طارئة

أتمَّت سمر، وهي مواطنة أردنية تقطن في أحد أحياء عمّان الشرقية، عامها الستين يوم الأربعاء من ذاك الأسبوع، وأصبحت بحمد الله مؤهلة للحصول على التأمين الصحي المخصَّص لهذه الفئة العمرية، فقيل “جاء الفرج”.
على مدار الشهر الذي سبق عيد ميلادها الستين، عانت سمر من ألم غريب في الصدر، بدأ ينتشر إلى بقية أجزاء جسمها، ألم لا يكاد يُحتمل، فتُصاب بنوبات تشعر خلالها أنها تريد تكسير كل ما حولها من شدتها. لا أحد يعرف السبب بالضبط، ولكن الباب يظل مفتوحاً للاجتهاد.
يجتهد المستشفى الحكومي القريب، يعطي الإبر والأدوية وتعود إلى منزلها، ولكنه نصحها لمرة واحدة من كل تلك المرات بالمبيت في المستشفى، ثم عدل عن الفكرة وعدلت هي لأسباب شخصية. اجتهدت السيدة صاحبة الصيدلية القريبة هي الأخرى عن حسن نية وأعطت ما تيَّسر من الإبر، ولكن الألم لم يفارقها. أما الطبيب الذي يعمل في عيادة تقع في الحي المجاور ويستقبل المرضى يوم الجمعة، فقد جزم بأن السبب هو التدخين، وراح يصرخ بابنها قائلاً “بدك تعرف شو مال أمك؟ أمك بتدخن زي كأنها بدها تفك ناس عن حبل الإعدام” في إشارة غريبة إلى التوتر النفسي الذي يدفعها إلى التدخين، وحذر من تدخين أكثر من أربع سجائر في اليوم الواحد!
اتبع الجميع نصيحة الطبيب، ووقفوا يراقبون الأم لمنعها من التدخين، ولكن لا يزال الألم على حاله، فزارت طبيباً خاصاً غيره أقسم أن مشكلتها لا تقع ضمن اختصاصه. ثم طرقت باب طبيبة في مستشفى خاص آخر، وقع الاختيار عليها لا لبراعتها بالضرورة ولكن لأن سعر كشفيتها هو الأقل، فنصحتها باستشارة طبيب قلب فوراً.
وصلت أخيراً إلى الطبيب الأخير الذي تعاطف مع الحالة، وقرّر إجراء فحوصات كاملة لها مجاناً لمعرفة السبب، فأخبرها يوم الخميس، الذي تلا يوم عيد ميلادها، بأنها بحاجة إلى الدخول للمستشفى فوراً وإجراء قسطرة، وإن قررت الخروج من باب عيادته فستفعل على مسؤوليتها الخاصة.
بدأت بإجراء الحسابات المعقدة في ذهنها، كم ليلة ستقضي؟ كيف ستضمن تغطية التكاليف؟ ماذا لو لم يغطي التأمين الذي تنوي إصداره يوم الأحد المقبل هذه الكلفة؟ ماذا لو رُفض طلب الإعفاء؟ أسئلة اعتيادية لا بد أن تتزاحم في ذهن مواطنة أردنية غير مقتدرة مادياً، تخشى أن يلاحقها المسشتفى مطالباً بمبلغ يفوق قدرتها المادية. ثم أجمع الحاضرون على ضرورة التحرك فوراً طالما أن الحالة طارئة، وبالفعل دخلت قسم العناية المركزة بالمستشفى مساء يوم الخميس ذاته، ليتبيّن أنها بحاجة إلى عملية تركيب شبكية، والتي أجريت يوم الأحد من الأسبوع التالي، وهو ذات اليوم الذي ذهب أقاربها فيه إلى وزارة الصحة ليحصلوا على بطاقة التأمين!
ها قد أصبحت مواطنة مؤمنة صحياً، تتحمل الحكومة تكلفة علاجها ابتداءً من يوم الأحد، ولكنها تطالبها بتكلفة الإقامة في المستشفى للأيام الثلاثة التي سبقت يوم الأحد، أي بعبارة أخرى، للأيام الثلاثة التي كانت الحكومة فيها في إجازة بطبيعة الحال، أي بعبارة أوضح، للأيام الثلاثة التي لم يكُن بمقدور أي إنسان طرق أبواب وزارة الصحة فيها بينما كانت حالة سمر طارئة وتحتاج إلى تدخل فوري!
يبدو الأمر منطقياً، ما دامت حالتها طارئة، لا يمكنها الانتظار حتى يوم الأحد للدخول إلى المستشفى بعد إصدار البطاقة، أليس كذلك؟ ويبدو بديهياً أيضاً ان التأمين سيتكفل بتغطية كلفة الإقامة في العناية المركزة للأيام التي سبقت إصدار البطاقة، ما دامت حالتها طارئة، ولكن الأمر ليس كذلك في الواقع!
عندما كتبت لها المغادرة من المستشفى، وجب عليها إخلاء سريرها لمريض آخر، ولكن لم تستطع الخروج من باب العناية المركزة حتى تأتي ورقة براءة الذمة، والتي تصدر بعد دفع مبلغ يبلغ حوالي 570 ديناراً، وهو مبلغ غير متوفر بجيب أي من الأبناء أو الأقارب، فجلست على كرسي الانتظار بالقرب من رجل الأمن الذي ينظم دخول الزوار إلى القسم إلى أن يأتيها الفرج. فلنستعرض الحلول المتوفرة لسمر أو غيرها ممّن يمر بالحالة ذاتها:
قد يكلم أحد أفراد عائلتها البرامج الإذاعية الصباحية الكثيرة ليناشد أصحاب القلوب الرحيمة والمسؤولين، وقد يوجه استدعاء إلى الديوان الملكي، أو وزارة الصحة، أو رئاسة الوزراء، فالجهة المطلوب مخاطبتها غير واضحة تماماً في ظل تحويل كل جهة المراجع من طرفها إلى جهة أخرى. وقد يتحرك شخص ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، فينشر حالة إنسانية لسيدة تنتظر عند باب العناية المركزة من يدفع المبلغ لتتمكن من الخروج!
سوف يُقّر بعض المسؤولين بأن ما تطلبه حق، وبأن الأمر يبدو منطقياً جداً ولا يحتاج إلى كل هذا الرجاء والفصاحة في لغة الاستدعاءات، وسيُقر بعضهم بأنه متفهم ولكنه في النهاية عبد مأمور ينفذ ما جاء في التعليمات، التي قد يُنظر في تجاوزها لأجل حالات إنسانية.
بعد العديد من المحاولات، نجحت سمر في الخروج بعد أن وقعت إحدى قريباتها تعهداً لدى إدارة المستشفى بتسديد المبلغ في حال رُفض الاستدعاء المقدم للجهات المعنية، والتي تحتاج إلى أسبوع كامل للرد.
بيد أن السؤال الملح يظل عالقاً في الذهن: إلى متى سنظل نبحث عن حلول فردية لقضايا من هذا النوع؟ وإلى متى سنظل نسمي أنفسنا “العبد المأمور” لأنظمة وتعليمات لا تخدمنا بالشكل الأمثل؟ بل لماذا يتم تجاوز التعليمات لأجل حالة “إنسانية” بدلاً من أن تكون التعليمات نفسها إنسانية بالأساس!
*الأسماء مستعارة

نُشرت هذه المدونة على موقع ميدان.

*هناك خطأ في تقدير المبلغ النهائي المترتب على المريضة، إذ يبلغ حوالي 540 ديناراً بحسب فاتورة المستشفى الرسمية التي حصلت عليها لاحقاً وليس 570 ديناراً كما زعمت التقديرات الأولية.

*تم تعديل هذا المقال للدقة، فحُذفت عبارة “تركت إحدى قريباتها هويتها مرهونة لدى إدارة المستشفى ووقعت تعهداً بتسديد المبلغ”، والأصح أنها وقعت التعهد ولكن هويتها لم تظل مرهونة.

الإعلانات

1 Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s